الشيخ محمد رشيد رضا

9

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وشرعية وأدبية ، وقد تكون بأسباب سلبية اقتضتها حالة المعيشة والبيئة ، قيل إنها مشتقة من الجدار وهو الحائط الذي يكون حدا للبستان أو الدار ، وقيل من جدر الشجرة ، ويرادف الجدير بالشيء والأجدر ، الحقيق والأحق ، والخليق والاخلق ، وقد يستعمل أفعل في كل منها للتفضيل مع التصريح بالمفضل عليه غالبا ، كحديث « والثيب أحق بنفسها من وليها » ومع تركه للعلم به أحيانا ، ومنه قوله تعالى ( وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ واسع العلم بأمور عباده وصفاتهم وأحوالهم الظاهرة من بداوة وحضارة وعلم وجهل ، والباطنة من إيمان وكفر ، واخلاص ونفاق ، تام الحكمة فيما يحكم به عليهم ، وما يشرعه لهم ، وما يجزيهم به ، من نعيم مقيم ، أو عذاب أليم . روى احمد وأصحاب السنن - ما عدا ابن ماجة - والبيهقي في الشعب عن ابن عباس يرفعه « من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن » قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري وروى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا « من بدا جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلطان افتتن ، وما ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من اللّه بعدا » وسبب الأخير ان السلاطين قلما برضون عمن يلتزم الحق والصدق والنصح الصريح ، وقلما يأتيهم ويزداد قربا منهم الا المرائي الذي يمدحهم بالباطل ويعينهم على الظلم ولو بالتأويل لهم ، وقد بينا هذا المعنى في تفسير ( 61 وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) * * * وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً تقدم في الآية [ 90 ] ان بعض الاعراب جاءوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معذرين ليأذن لهم في القعود عن غزوة تبوك ، وذكر في هذه الآية حال الذين كانوا ينفقون بعض أموالهم في سبيل الجهاد رياء وتقية فيعدون ما ينفقونه من المغارم وهي ما يلزمه المرء مما يثقل عليه فيلتزمه كرها أو طوعا لدفع مكروه عن نفسه أو عن قومه وليس له فيه منفعة ذاتية . ولم يكن هؤلاء الاعراب المنافقون يرجون بهذه النفقة جزاء في الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث .